السيد الطباطبائي
167
تفسير الميزان
باطلة وانما هو عن قضاء من الله وسلطان بتسليطه وانما ملكه اغواء من اتبعه وكان غاويا في نفسه وبسوء اختياره فلم يأت إبليس بشئ من نفسه ولم يفسد أمرا على ربه لا في اغوائه أهل الغواية فإنه بقضاء من الله سبحانه ان يستقر لأهل الغواية غيهم بسببه وقد اعترف لعنه الله بذلك بعض الاعتراف بقوله رب بما أغويتني ولا في استثنائه المخلصين فإنه أيضا بقضاء من الله نافذ فلا حكم الا لله . وهذا الذي تفيده الآية الكريمة أعني تسليط إبليس على اغواء الغاوين الذين هم في أنفسهم غاوون وتخليص المخلصين وهم مخلصون في أنفسهم من كيده كل ذلك بقضاء من الله مبنى على أصل عظيم يفيده التوحيد القرآني المفاد بأمثال قوله تعالى : " إن الحكم الا لله " يوسف : 67 وقوله : " وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم " القصص : 70 وقوله : " الحق من ربك " آل عمران : 60 وقوله : " ويحق الله الحق بكلماته " يونس : 82 وغير ذلك من الآيات الدالة على إن كل حكم ايجابي أو سلبى فهو مملوك لله نافذ بقضائه . ومن هنا يظهر ما في تفسيرهم قوله الا من اتبعك من الغاوين من المسامحة فإنهم قالوا إنه إذا قبل من إبليس واتبعه صار له سلطان عليه بعدوله عن الهدى إلى ما يدعوه إليه من الغى وظاهره انه سلطان قهري يحصل لإبليس عن سوء اختيارهم ليس من عند نفسه ولا بجعل من الله سبحانه . وجه الفساد ان فيه اخذ الاستقلال والحول الذاتي من إبليس واعطاؤه ذوات الأشياء ولو كان إبليس لا يملك شيئا من عند نفسه وبغير اذن ربه فالأشياء والأمور أيضا لا تملك لنفسها شيئا ولا حكما حتى الضروريات ولوازم الذوات الا باذن من الله وتمليك فافهمه . والثالثة إن سلطانه على اغواء من يغويه وان كان بجعل وتسليط من الله سبحانه إلا أنه ليس بتسليط على الاغواء والاضلال الابتدائي غير الجائز اسناده إلى ساحته سبحانه بل تسليط على الاغواء بنحو المجازاة المسبوق بغوايتهم من عندهم وفي أنفسهم . والدليل على ذلك قوله تعالى : " الا من اتبعك من الغاوين " فإبليس انما يغوي